الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

25

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الجملة المضاف إليها يَوْمَ التي يدل عليها إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ الروم : 11 ] بذكر جملة أخرى هي في معناها لتزيد الإرجاع بيانا أنه إرجاع الناس إليه يوم تقوم الساعة ، فهو إطناب لأجل البيان وزيادة التهويل لما يقتضيه إسناد القيام إلى الساعة من المباغتة والرعب . ويدل لهذا القصد تكرير هذا الظرف في الآية بعدها بهذا الإطناب . وشاع إطلاق السَّاعَةُ على وقت الحشر والحساب . وأصل الساعة : المقدار من الزمن ، ويتعين تحديده بالإضافة أو التعريف . والإبلاس : سكون بحيرة . يقال : أبلس ، إذا لم يجد مخرجا من شدة هو فيها . وتقدم عند قوله تعالى إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ في سورة المؤمنين [ 77 ] . و الْمُجْرِمُونَ : المشركون ، وهم الذين أجريت عليهم ضمائر الغيبة وضمائر الخطاب بقرينة قوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ . والإظهار في مقام الإضمار لإجراء وصف الإجرام عليهم وكان مقتضى الظاهر أنه يقال : تبلسون ، بالخطاب أو بياء الغيبة . ووصفوا بالإجرام لتحقير دين الشرك وأنه مشتمل على إجرام كبير . وقد ذكر أحد أسباب الإبلاس وأعظمها حينئذ وهو أنهم لم يجدوا شفعاء من آلهتهم التي أشركوا بها وكانوا يحسبونها شفعاء عند اللّه ، فلما نظروا وقلبوا النظر فلم يجدوا شفعاء خابوا وخسئوا وأبلسوا ، ولهم أسباب خيبة أخرى لم يتعلق الغرض بذكرها . وأما ما ينالهم من العذاب فذلك حالة يأس لا حالة إبلاس . و مِنْ تبعيضية ، وليس الكلام من قبيل التجريد . ونفي فعل يَكُنْ ب لَمْ التي تخلص المضارع للمضي للإشارة إلى تحقيق حصول هذا النفي مثل قوله أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] . ومقابلة ضمير الجمع بصيغة جمع الشركاء من باب التوزيع ، أي لم يكن لأحد من المجرمين أحد شفيع فضلا عن عدة شفعاء . وكذلك قوله وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ لأن المراد أنهم يكفرون بهم يوم تقوم الساعة كقوله تعالى ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ العنكبوت : 25 ] . وكتب في المصحف شفعؤا بواو بعد العين وألف بعد الواو ، أرادوا بالجمع بين الواو والألف أن ينبهوا على أن الهمزة مضمومة ليعلم أن شُفَعاءُ اسم ( كان ) وأن ليس اسمها قوله مِنْ شُرَكائِهِمْ بتوهم أن مِنْ اسم بمعنى بعض ، أو أنها مزيدة في النفي ،